Deen Hub

history

الهجرة النبوية: من مكة إلى المدينة

Deen Hub Editorial
2026-05-12
8 min read
الهجرة النبوية عام 622 ميلادية من أعظم الأحداث في تاريخ الإسلام والبشرية جمعاء، وقد اعتبرها الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مفصلاً تاريخياً يستحق أن يُبدأ منه التأريخ الإسلامي، فاتخذها منطلقاً للتقويم الهجري. كل مسلم يكتب تاريخاً بالهجري إنما يُشير إلى تلك اللحظة الفارقة التي تركت فيها ثلة من المؤمنين ديارها وأموالها وعشيرتها حفاظاً على دينها وسعياً إلى أرض يُقام فيها الإسلام.

لفهم الهجرة حق الفهم، لا بد من استحضار ما سبقها من ابتلاءات. ثلاثة عشر عاماً قضاها المسلمون الأوائل في مكة المكرمة تحت وطأة الأذى والحصار والتعذيب. قريش التي كانت سادة مكة وحُرّاس الكعبة رأت في دعوة التوحيد تهديداً مباشراً لسلطتها الدينية والاقتصادية والاجتماعية، فناصبت النبي ﷺ ومن معه العداء. فُتن الضعفاء وعُذّبوا، واضطر بعض الصحابة للهجرة إلى الحبشة. ولم يغادر النبي ﷺ مكة إلا بأمر الله بعد أن بايعه أهل يثرب في بيعة العقبة الثانية على النصرة والمؤازرة، فكانت تلك البيعة مفتاح المرحلة الجديدة.

ليلة الهجرة كانت ليلة معجزة بكل المقاييس. أحاط المشركون بدار النبي ﷺ عازمين على قتله قبل الفجر، واختاروا لكل قبيلة رجلاً حتى يتوزع دمه بينهم فلا يستطيع بنو هاشم المطالبة بالثأر. لكن الله حفظ نبيه؛ فخرج ﷺ من بينهم وهو يتلو آيات سورة يس ونثر التراب على رؤوسهم فلم يبصروه. ثم أوى ﷺ مع صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى غار ثور جنوب مكة ثلاثة أيام، وفيه قال أبو بكر خائفاً من اقتراب الطُّلّاب: "لو نظر أحدهم إلى قدميه لرآنا"، فأجابه النبي ﷺ بكلمة خلّدها القرآن: "لا تحزن إن الله معنا" (التوبة: 40). ثم انطلقا بقيادة دليل موثوق على طريق ساحلية مجهولة لتفادي أعين الرقباء.

وصول النبي ﷺ إلى المدينة المنورة لم يكن مجرد انتقال مكاني، بل كان تأسيساً لمجتمع إسلامي حقيقي. أول ما فعله ﷺ بناء المسجد النبوي الذي كان في آنٍ واحد بيت عبادة ومركز قضاء ومجلس شورى. ثم آخى بين المهاجرين والأنصار مؤاخاة غير مسبوقة في التاريخ؛ أنصاريٌّ يتقاسم داره وماله مع أخيه المهاجر الذي لا يعرفه إلا منذ أيام، بدافع الإيمان وحده. وأبرم ﷺ وثيقة المدينة التي نظّمت العلاقة بين المسلمين واليهود وسائر القبائل على قاعدة الحقوق والواجبات المتبادلة، وحفظت لكل جماعة دينها وقضاؤها الداخلي. يصفها المؤرخون القانونيون بأنها أول وثيقة دستورية في التاريخ.

الوثيقة الدستورية التي أبرمها النبي ﷺ في المدينة أرست مبادئ لم يعرفها العالم القديم: حرية الدين لغير المسلمين، والمساواة أمام القانون، والدفاع المشترك عن المدينة بصرف النظر عن الانتماء الديني. وقد أثبت هذا الإطار التعددي أن الدولة الإسلامية لم تُؤسَّس لتكون إمبراطورية دينية متجانسة، بل مجتمعاً تحكمه قواعد العدل والمسؤولية المشتركة. وبعد سنوات قليلة تحوّلت المدينة من بؤرة نزاعات قبلية دامية إلى نموذج للعدل والتعايش، وكان السر هو ذلك الحضور النبوي الذي انطلق بالهجرة.

الدروس المستفادة من الهجرة لا تقتصر على أرباب التاريخ. كل مسلم يترك بيئة مضرة طلباً لما هو خير، وكل إنسان يؤثر المبدأ على الراحة المادية، وكل جماعة تختار البناء بدلاً من الاستسلام لظروف الاضطهاد - تلك كلها تجسيدات لروح الهجرة في كل عصر. وقد أمضى النبي ﷺ في المدينة آخر عشر سنوات من حياته، وفيها أُرسيت أعظم مؤسسات الإسلام: الأذان، وصلاة الجمعة، والزكاة، والصيام، والحج، وقوانين الأحوال الشخصية - كلها أُعلنت في المدينة، في الأرض التي شيّدتها الهجرة.
Advertisement