Deen Hub

ethics

حقوق الوالدين في الإسلام: برّ من وهبك الحياة

Deen Hub Editorial
2026-06-29
7 min read

يقرن القرآن الكريم بين التوحيد وبر الوالدين في آية واحدة متواصلة: «وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا» (الإسراء: 23). وفي هذا الاقتران دلالة على أن بر الوالدين يأتي في سلم الواجبات الأخلاقية مباشرةً بعد التوحيد. ويفصّل القرآن في سياق آخر ما تحملته الأم من عناء الحمل والرضاع تأسيسًا لحق الامتنان الأبدي.

حدّد النبي صلى الله عليه وسلم مكانة بر الوالدين حين سئل عن أحب الأعمال إلى الله فقال: الصلاة على وقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله. ووصفت أحاديث أخرى الجنة بأنها تحت أقدام الأمهات في إشارة إلى أن الطريق إلى الله يمر عبر تكريم من وهبك الحياة وأنفق في تنشئتك سنوات من عمره.

يشتمل البر على الدعم المالي عند الحاجة والرعاية الجسدية عند المرض والكبر والكلام اللطيف والزيارة المنتظمة والدعاء بعد الممات. ويُحرّم القرآن الكريم حتى كلمة «أف» المعبّرة عن الانزعاج مؤكدًا أن الالتزام يحكم النبرة والتعبير لا الأفعال الكبيرة فحسب.

وفي واقع تراجع الأسرة الممتدة وتنامي مؤسسات رعاية المسنين تصبح أسئلة كيفية تطبيق البر في شروط الحياة الحديثة ملحّةً وتستحق إجابات صادقة. ومهما تغيرت الأشكال يبقى روح الأمر الإلهي: أن يشعر الوالدان بأن تضحياتهما لم تذهب سدى وأن أبناءهما يحملون عنهما الحياة بامتنان حقيقي.

ومن أجمل تعبيرات البر الدعاء للوالدين بعد وفاتهما، وقد علّم القرآن الكريم هذا الدعاء: «رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا» (الإسراء: 24). وهذا الدعاء الذي يرفعه ملايين المسلمين يوميًا يؤكد أن البر لا يتوقف بالموت بل يستمر في أجمل صوره: إحضار الوالدين أمام الله وطلب رحمته لهما بنفس نسبة رحمتهما حين كانا. وإلى جانب الفرائض القانونية من نفقة واحترام يضيف التقليد الإسلامي مفهوم «إدخال السرور» على الوالدين الذي هو أرقى من مجرد أداء الواجب. فالابن الذي يُسعد والديه ويجلب الفرح إلى قلوبهما قد أدى روح البر لا حرفه فحسب. وتبقى رسالة الإسلام في شأن الوالدين بالغة الوضوح: قدّمهما بعد الله مباشرةً في سلم أولوياتك، وابحث في كل يوم عن طريقة جديدة تُسعدهما بها، وتذكر دائمًا أنك لم تكن شيئًا مذكورًا حين كانا يُرعيانك ويتعبان من أجلك. والوفاء بهذا الحق في حياتهما وبعد مماتهما هو من أبلغ الشواهد على صدق إيمان المرء وعمق تديّنه. ومن بلغ والداه الكبر وقصّر في برهما فقد فوّت فرصة لا تعوض إذ الموت يفصل ويقطع ما أمكن استدراكه في الحياة. وتذكّر أن رضا الوالدين من رضا الله وغضبهما من غضبه وهذا يكفي حافزًا لكل مؤمن. وأدّ ما عليك نحو والديك ودع الله يُحاسب كلًا بعمله.
Advertisement