Deen Hub

seerah

رحلة الإسراء والمعراج: الرحلة التي غيّرت التاريخ

Deen Hub Editorial
2026-05-23
8 min read
في العام العاشر من البعثة، وقد اشتدت المحن على النبي ﷺ بوفاة زوجه خديجة وعمه أبي طالب في عام واحد سُمّي "عام الحزن"، أكرمه الله برحلة خارقة لم يحظَ بها بشر من قبل ولا من بعد. أسرى به جبريل عليه السلام من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى على البراق، ثم عرج به إلى السماوات السبع. قال تعالى: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ" (الإسراء: 1).

في المسجد الأقصى أمّ النبي ﷺ جميع الأنبياء السابقين في صلاة جماعية - لقطة رمزية بالغة العمق تؤكد قيادة النبي ﷺ وختمه للنبوة. ثم عرج به إلى السماء الأولى فالتقى بآدم عليه السلام، وفي كل سماء التقى بنبي من الأنبياء: يحيى وعيسى في الثانية، ويوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة. حتى وصل إلى سدرة المنتهى حيث أُوحي إليه بما أُوحي.

أعظم ما جاء به النبي ﷺ من هذه الرحلة فريضة الصلاة الخمس. فقد فُرضت خمسون صلاة ابتداءً، وبنصيحة موسى عليه السلام كان النبي ﷺ يصعد إلى ربه مرات حتى خُففت إلى خمس بأجر خمسين. وفي ذلك إشارة بليغة إلى عظم شأن الصلاة وأنها عطاء إلهي مباشر من غير واسطة. ولما أخبر النبي ﷺ قريشاً بالرحلة استهزأوا وكذّبوا، لكنه وصف بيت المقدس بدقة أربكت المنكرين، وأخبر عن قافلة وصفها وصفاً دقيقاً وصلت بعد ذلك مطابقة لما أخبر. وكان أبو بكر الصديق أول من صدّق فنال لقب "الصديق".

تبقى رحلة الإسراء والمعراج دليلاً للأجيال على أن الشدائد لا تعني التخلي الإلهي. فحين بلغت المحن بالنبي ﷺ ذروتها جاء الكرم الإلهي في أرفع صوره. والمسلم الذي يجاهد نفسه على المحافظة على الصلوات الخمس يجدر به أن يتذكر أن هذا الفرض لم يُبلَّغ به عبر وحي عادي، بل جاء من السماوات العلى مباشرة، وأن كل ركعة يؤديها تحمل من الثقل الروحي ما يوازي عشر صلوات في الميزان الإلهي.

إن رحلة الإسراء والمعراج تربط المسلم في آنٍ واحد بثلاثة محاور لا تنفصل: محور النبوة، إذ أكد فيها النبي ﷺ إمامته لجميع الأنبياء ومركزيته في المنظومة الإلهية الكاملة؛ ومحور الصلاة، إذ أثبتت أن هذه الفريضة العظيمة وُهبت للإنسانية من أعلى السماوات في لقاء مباشر لا يتوسطه وحي اعتيادي؛ ومحور المسجد الأقصى، إذ جعل بيت المقدس محطة إلهية لا يمكن اختزالها في أبعاد سياسية عابرة. ومن هنا يُدرك المسلم لماذا يظل المسجد الأقصى قضية إيمانية في صميمها وليس مجرد موقف سياسي. وكل ركعة يُصليها المسلم هي جسر يعيده إلى تلك الليلة المقدسة؛ فالصلاة ليست فريضة فُرضت على الأرض بل هبة جاءت من السماء، وهذا الفارق الجوهري يمنحها ثقلاً روحياً وقداسةً لا تملكها أي عبادة أخرى في المنظومة الإسلامية كلها.
Advertisement