الإسراء والمعراج: رحلة النبي الليلية ومعراجه إلى السماء
الإسراء والمعراج من أعظم أحداث السيرة النبوية وأكثرها ثراءً في الدلالات. وقد أشار القرآن إلى الإسراء في مستهل سورة الإسراء: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» (الإسراء: 1). وكانت هذه الرحلة في «عام الحزن» الذي فقد فيه النبي زوجه خديجة وعمه أبا طالب في وقت قصير، فكانت تكريمًا إلهيًا استثنائيًا في أحلك لحظات المحنة.
في الإسراء انتقل النبي من مكة إلى المسجد الأقصى في القدس على البراق، وهناك أمَّ الأنبياء جميعًا في الصلاة في مشهد يؤكد أن الإسلام ليس قطيعةً مع الأنبياء السابقين بل استمرار لرسالتهم وتتويج لها. ثم صعد في المعراج عبر السماوات السبع يلتقي فيها بالأنبياء: آدم وعيسى ويحيى ويوسف وإدريس وهارون وموسى وإبراهيم في كل سماء نبي.
وفي السدرة المنتهى تلقّى النبي فريضة الصلاة خمسين مرة في اليوم، وبشفاعة موسى خُففت إلى خمس تعادل في الأجر خمسين. وكون الصلاة فُرضت في هذا اللقاء الإلهي الفريد دون وساطة الملك يكشف مكانتها الخاصة بوصفها أقرب ما يكون العبد من ربه.
ردّ المشركون على قصة الإسراء بالاستهزاء وارتد بعضهم، لكن أبا بكر حين بلغه الخبر قال على الفور: «إن قاله فقد صدق»، فلقّبه النبي بالصديق. وفي ذلك درس في أن الإيمان الراسخ لا يتزعزع بالمعجزة بل يُقوّى بها.
ومن أكثر مشاهد الإسراء إنسانيةً لقاء النبي بموسى عليه السلام الذي بكى لما علم أن أمة محمد ستدخل الجنة بأعداد أكثر من أمته. وحين أُعطي النبي فريضة الصلاة خمسين نصحه موسى بطلب التخفيف لأنه جرّب الناس وعلم طاقتهم. وفي هذا التناصح النبوي الرفيع تجسيد للتضامن بين الأنبياء وللطريقة التي تتراكم بها الحكمة النبوية عبر الأجيال. وقد منحت الإسراء المسجد الأقصى في القدس مكانة استثنائية في الوجدان الإسلامي: إنه المكان الذي أمّ فيه النبي الأنبياء جميعًا، وهو بذلك يمثل نقطة التقاء الرسالات كلها وتتويج المسيرة النبوية عبر التاريخ. ولذلك لا تستطيع القدس أن تكون لأي مسلم مجرد شأن سياسي، فهي إرث نبوي مقدس لا ينفصل عن تلك الليلة التي حمل الله فيها نبيه إلى العرش. وتظل رحلة الإسراء والمعراج مصدر إلهام متجدد للمسلمين في كل عصر: دليل على أن الله حين يُريد تكريم عبده لا تحدّه مسافة ولا يقيّده نظام. وأن المؤمن الذي يشعر بالوحدة والهزيمة في مواجهة العالم يملك من الله ما لا يملكه الآخرون: رعاية إلهية مباشرة تأتيه في أحلك ساعاته وتحمله إلى آفاق لم يحلم بها. والصلاة التي فُرضت في هذه الليلة هي الجسر الدائم بين العبد وربه، والمعراج اليومي الذي يُتيح للمؤمن أن يرتقي روحيًا في كل سجدة وإن لم يرتفع جسده شبرًا. ومن تأمل هذه الرحلة يدرك أن حدود الوجود أوسع مما تتصوره العقول المحدودة.